مملكة ماري
الجزء الأول
بقلم : الباحثة في التراث سارة بحبوح
إن الخوض في تاريخ مملكة ماري الواقعة على الفرات الأوسط والتي امتدت فاعليتها التاريخية والحضارية لما يزيد على الألف علم تدفعنا إلى البحث في العوامل والمعايير التي أدت إلى اعتبار الألف الرابع قبل الميلاد مفصلا رئيسيا في حركة تطور الاجتماع البشري في المشرق آنذاك.....
ماري لم تكن قرية تطورت إلى مدينة والذي يبدو أن من سعى لإنشاء ماري سواء كان سلطة سياسية أو إدارية أو اجتماعية كان يملك موقعا على الفرات وقريبا من ماري،مما آل التفكير لإنشاء مدينة جديدة على الفرات الأوسط، وربما كان وجود ماري حوالي ٢٩٠٠ ميلادي حيث اتخذت السلطة السياسية ضمن إطار إقليمي واسع قرارا بتأسيس مدينة حديثة على الفرات الأوسط وكان هدف بناء المدينة هو مراقبة الطريق التجاري المحوري الذي يتبع مسالك الفرات .فمدينة ماري ذات القاعدة العمورية كانت واقعة تحت تأثير الروحية الثقافية الرافدية .، وهذا ما يمكن ملاحظته سواء لجهة الفخار أو المنحوتات التي عثر عليها والتي تحمل صفات رافدية في الشكل والروحية .
أما لغة سكان ماري فهي متنوعة ،حيث أكد الباحثون أن سكان ماري كانوا يتكلمون باللغة السومرية والأكادية القديمة والحورية واللهجات العمورية .
الحياة الدينية في ماريْ:::
المعطيات الأثرية تؤكد وجود ميزة التفاعل والامتزاج الاجتماعي بالإضافة إلى التنوع في مجال الرموز الاعتقادية.
تشير الدلائل إلى أن الأرباب السومريين والعموريين عُبدوا بآن واحد في ماري ، وكان هناك مجمع الآلهة في ماري كان يحاكي النمط السومري فثمة هناك إله رئيسي وإلى جانبه مجمع من الأرباب .
وفي مجال مقاربتنا للحياة الاقتصادية والطقوس في ماري فنحن نعتقد أنه ما كان موجودا في موقع الرافدين ينسحب ألى مدينة ماري كون أن الفاعلية الرافدية كانت أقوى من جهة ومن جهة أخرى توجه ماري الرافدي .
ومع متابعة الزمن أصبحنا أمام حالة لنشوء فئة من الكهنة كانت غايتها التوسط بين الإله والجمهور وكانت وظيفتهم تحصيل الضرائب وريع الأراضي وإقامة الطقوس المعتقدية الكبرى.
الكالو :
هم فئة من الكهنة كانت مختصة بموسيقا المعبد حيث كانت تؤلف الترانيم وتُعنى بالآلات الموسيقية ،حيث كانت وظيفتهم تهدئة قلب كبار الآلهة .
الأشيفو:
كانت وظيفة هذه الفئة تنحصر في درء الأرواح الشريرة والشياطين عن الناس وذلك عبر إقامة الطقوس وتلاوة التعاويذ ،
البارو : تعني الرائي وهذه الفئة كانت تختص باستطلاع الفأل وتفسير الأحلام ورصد الفلك والنجوم وكان لهذه الفئة دور في استطلاع نتائج الحروب وتقديم المشورة إلى الملك
الأشيفو : وظيفة هذه الفئة تنحصر في درء الأرواح الشريرة والشياطين عن الناس وذلك عبر إقامة الطقوس وتلاوة التعاويذ .
قدشتو : هذه الفئة من الكهنة تختص بالنساء وكن بنات الملوك يلتحقن بهذا السلك فهو مدعاة للفخر والإيمان حيث تصبح النسوة كاهنات المعبد .
طقوس المعبد: تقدم القرابين من قبل الجمهور سواء كانت من الماشية أو نتاج الحقول وهي بمثابة ضريبة عن ريع الأراضي ،وتقديم القرابين ضروري لجعل الإله في مزاج حسن وتجنب غضبه.
وكشفت التنقيبات عن وجود تماثيل تعبر عن الخشوع والإيمان تخص الحكام والكهنة موضوعة في المعابد .
وقدمت ماري مايزيد على ١٢٥ اسما إلهيا مقدسا ، والأضاحي المقدمة للآلهة فكانت دوما من الخراف الذكور وكانت تؤكل بعد ذبحها ، فلابد من ذكر أن الملك نارام سين وضع ابنتيه كاهنتين في معبد شمش وهما شوما شاني وأختها ميكيبار.
مدينة ماري ٢٩٠٠-٢٣٥٠ قبل الميلاد:
لندرة الوثائق الكتابية في ماري فعوضت عنها الوثائق الرافدية ( البابلية والآشورية )، فقد أبانت هذه الوثائق عن ستة ملوك حكموا ماري لمدة ١٣٦ عام .وأول حكام هذه السلالة هو أنسود .
وهناك العديد من الملوك الذين حكموا مثل (( إيكوشمش ، ايشتوب شار ، ايبلول إيل ، لمجي ماري )) ويبدو أن فعالية ماري ظهرت في عهد إيبلول إيل وكانت العلاقات متباينة ومتصالحة بين ماري وإبلا سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو حتى الروحية .
الحياة الاقتصادية والتجارية :
لمقاربة دقيقة للواقع الاقتصادي التجاري لماري يجب التحقق من الأمور التالية :
أولها : أن الواقع الاقتصادي - الاجتماعي لا ينفصل عن الواقع السياسي الذي تبدء منذ نشوء المدن الأولى وتكون مصالحها باطراد وإن هذه المصالح كانت تعبر عن نفسها ضمن وعي مديني لم يرق إلى وعي اتحادي بين المدن آنذاك .
ثانيها : اختلاف ممكنات البيئة الطبيعية ومواردها بين مواقع مدن المشرق آنذاك فرضت نشوء حاجات اقتصادية لتلك المدن .
ثالثهما : إن النشاط التجاري والسلعي لم ينحصر بين مدن الشرق بل ثمة مدن قد أنشأت خطوط تجارة تتجاوز المشرقي . وهناك شأن آخر يتعلق باستيراد الأحجار الكريمة من مراكز حضارية بعيدة وبالأخص الحجر الأزرق اللامع الذي يعتبر من الأحجار الكريمة العادية حيث كانت ماري تنقل الأحجار الكريمة مثل اللازورد والعقيق .
الحياة العمرانية :
قصور ماري :
أدت التنقيبات إلى الكشف عن ثلاثة قصور متوضعة فوق بعضها البعض حيث أنها بنيت الواحد فوق أنقاض الآخر وذلك على مدى عشرات السنين، القصر الأحدث يطلق عليه اسم القصر- المعبد ويقع تحت قصر زمري ليم ويرجع اكتشافه إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد.
هندسة هذا القصر تشبه هندسة القصر وتضيع المعالم فيه بين الوظائف المعتقدية والوظائف الزمنية ، توحي باحته المركزية على طابع اعتقادي ففي وسطه باحة مربعة طول وجدرانها مزوقة بالمحاريب وتحيط بهذه الباحة الغرف الكبيرة والصغيرة ، ولوحظ وجود ممشى يحيط ببيت العبادة ممكن كان يشكل عقدة مواصلات تتفرع عنها الدروب إلى جميع جهات القصر .
عمارة وفنون ماري :
لا تفترق خصائص الفن في مدينة ماري على اختلاف أنواعه عن المناخ العام الذي ساد الألف الثالث، وطبيعة البيئة الجغرافية فرضت شروطها على طريقة العمارة.
في الحياة العمرانية : شهدت مدينة ماري منذ تأسيسها معالم عمرانية وإنشائية تتناسب مع ذهنية التخطيط المسبق حيث إننا أمام أنظمة متطورة للري كالأقنية والسدود وأنظمة ملاحية مبتكرة .
في مجال العمارة المعبدية : كشفت التنقيبات عن معبد عشتار ، حيث يتألف من حرمين متجاورين لا يوجد بينهما باب وفيهما مقاعد ومنبر ، وقد بنيت جدران المعبد باللبن فوق الأساسات المبنية من الحجارة الكلسية الجيرية ووضع فيه ١٣ مسمار برونز.
حرم هذا المعبد مستطيل ينفتح على باحة تحيط بها الحجرات كما يحوي على مقاعد ومنبر.
في مجال النحت : يُلاحظ أن فن النحت كان تكعيبيا وهندسيا والانطلاق من التجريدية إلى التصويرية حيث أصبحنا أمام تماثيل لأفراد عائلة واحدة ولكن لكل متها شخصيته وملامحه التي تميزه عن الآخر كما الواقع .وتعزز التماثيل الرجالية مقابلة قلة التماثيل النسائية ، وتحمل معظم هذه التماثيل صفات عامة لرجل له لحية مستطيلة وطويلة ومتجعدة ، أما شعره فطويل ومضفور بحيث يتدلى على جانبي الرأس وفوق الظهر وبجانب اللحية ، وثمة تماثيل لرجال متعبدين حليقين ويرتدي الواحد منهم مئزرا يستر الأطراف السفلية من الخصر حتى تحت الركبتين ويشده حزام عريض إلى الخصر ويلاحظ تشابك اليدين على الصدر العاري، أما العيون فكانت مصنوعة من الحجر أو أحيانا من الصدف أو من حجارة ذات لون مختلف عن لون حجر التمثال .
أما من ناحية أسلوب النحت فقد عمد الفنان إلى تحرير جسم التمثال عن الكتلة الحجرية بحيث استطاع إظهار أعضاء الجسم كالذراعين والساقين والرأس مع الاحتفاظ بتوازن التمثال .
فن النقش على اللوحات :
عثر في مواقع المشرق على لوحات منقوش عليها أو مسلات وقد تضمنت هذه النقوش مجلسا للشراب قد صنعت من الحجر الجيري ، وقد عمد الفنان إلى حصر المشاهد في تسعة مربعات تم توزيعها على ثلاثل حقول متدرجة تفصل بينها أثلام ويبدو أن المشاهد لا تؤلف موضوع واحد
فنرى في المشهد الأول : شخص عار لحياني ذو شعر مضفورمضفور يمسك بكلتا يديه ثورين لهما وجه إنسان وينتصبان على القائمين الخلفين ، أما المشهد الثاني فهو لنسر بوجه أسد ينشب أظفاره بعنزتين جبليتين .
ويبدو أن النسر الذي برأس وهو ما يسمى يالسومري ( أنزوجد) كانت تصنع له دمى ، عثر على واحدة منها في ماري مع مجموعة من التحف الثمينة التي كانت معبأة في جرة مطمورة بأرضية القصر المعبد .
الحياة اليومية في مملكة ماري :
كان هناك عملية تبادل بين المجموعات بين الشرق والغرب وكان النشاط الاقتصادي والتجاري والحرفي والاجتماعي يُنبئ بأننا أمام وجود مؤسسات تعنى بفعاليات هذا المجتمع كي تنظم شؤونه وتصيغ نمط علاقات حصارية بين الأفراد وبين المؤسسات وهذا ما تشير الوثائق إليه .
فالغرباء في ماري كان يحق لهم إنشاء جمعيات ونقابات يطلق عليهم اسم ( كارو) تعنى بشؤونهم وأحوالهم كما توجد جمعيات للفقراء كان يطلق عليها اسم ( موشكينوم)
وكان التنقل في المراكب النهرية يتم وفق نظام ملاحة مستقل تديره تلك الجمعيات وتذكر النصوص أن التجار العابرين عبرها كانوا يقدمون الهدايا من بضائعهم للمدينة وكانت الضرائب لا تشمل تنقل الأفراد بل كانت على البضائع التجارية فقط.
وتشير الوثائق إلى معرفة أهل ماري الحديد منذ وقت مبكر لكنه كان قليل الاستعمال بسبب غلاء ثمنه حيث يفوق سعر الفضة بثماني مرات .
لم يكن الطفل في ماري يعرف باسمه بل باسمه بل باسم إلى أن يكبر ويدب على قدميه ، وثمة وجود طقس يختص بترسيم الأطفال حيث يتم الباسهم ثيابا جميلة لأول مرة في حياتهم .
تذكر الوثائق إقامة حفلات موسيقية في القصر حيث يذكر مكان فرقة العزف ووجود مغنين ومغنيات.
وقد عثر على آثار فعالية موسيقية منظمةفي معبد داجن في ماري ، وكان هناك اهتمام كبير في ماري بالموسيقا وتعليمها وإنشاء الفرق ،
كما كان في ماري أطباء حيث كان هناك طبيب ماهر بمعالجة التهاب الأذن إلى مكان يبعد عن ماري حوالي ١٠٠ كم.
كان ثمة خدمة عسكرية حيث كان الملك يرسل الدعوة للناس لالتحاق بالخدمة العسكرية وكل من يتهرب بتعرض لعقوبة الخازوق.
ومن طرائف الأمور أيضا أن الرقم المسمارية التي كان يبطل مفعولها كانت توضع تحت اساسات الجدران كنوع من التقدير والاحترام لعالم الكتابة.
وفي مجال الحياة الزراعية : كان الري في ماري يتم في شهر آب وأيلول حيث كان يجري بطرق صناعية عبر الجداول والأقنية أما الحصاد فيتم في شهري نيسان وأيار حيث يتزامن هذا مع بدء فيضان نهر الفرات ..
ومنذ عهد ماري المبكر ظهر العدد مئة (mait) في نصوص ماري.
في مجال التاريخ كان اسم الشهر ورقم السنة الملكية يستخدم في ماري وإبلا .
وتقول المعطيات على أن سعر النبيذ في ماري كان أغلى عشر مرات من سعر القمح وأقل مرتين من سعر الزيت ، وفي الإجراءات والانظمة التجارية .
هناك بعض الاستنتاجات تختص بطبيعة العلاقات بين ماري وإبلا وذلك في إيضاح طبيعة الحياة اليومية ومجرياتها ونظامها في ماري اعتمادا على الوثائق الأبلوية:
أولا: ان هذه الحركة التجارية النشيطة المميزة لتجار ماري تجعلنا أما تأكيد أن هناك جمعيات وهيئات تجارية عريقة في مدينة ماري كانت تنظم مجريات الحياة التجارية وتسهلها ، وإن هذه الحركة التجارية لها ارتباط عميق بحركة الملاحة النهرية التجارية والتي بدورها تسير وفق منظومة مجتمعية إدارية أدارت أمورها.
ثانيا: أن تفاعل المجتمع في ماري ديمغرافيا واجتماعيا ثم تفاعله الإيجابي مع الطبيعة وممكناتها ساهم في خلق اقتصاد مجتمعي نافذ وقوي أدى إلى تفعيل لدور منلكة ماري الحضاري
ثالثا : أن وجود فعاليات ثقافية وثقتها نصوص إبلا تجعلنا أمام تثبيت أن مجتمع ماري كان مجتمع ذو بنية مؤسساتية فاعلة ، فأن يأتي معلم موسيفا ومعه ٢٣ متمرن إلى إبلا ومع آلاتهم فإن هذا يعطي انطباعا أننا أمام نشاط مؤسساتي كبير.
للحديث بقية عن هذه الحضارة العريقة.


تعليقات
إرسال تعليق
نرحب بتعليقاتكم لاثراء محتوى الموقع