النص للكاتبة: خلود عبدالصمد احمد
إشراف: سفانة عبدالله
قسمٌ كاذب.
في لحظةِ قراءتكم لهذهِ الرِّسالةِ سأكونُ قد انتقلتُ إلى بارئي بلا حسنِ ختامٍ تذكرونني به، فمن مرَّ من هنا، فليدعو لي، وإن لم تكن تجيدَ الدَّعاءَ، أعدْ حساباتكَ، أعلمُ أنِّي لستُ بموضعٍ يسمحُ لي بالنَّصيحة، فأنا منتحرٌ قد يكونُ مصيرهُ جحيمًا سرمديًا، ولكن صدقني حينَ أقول أنِّي حاربتُ الحياةَ بدعائي، جاهدتُ حتَّى أحافظَ على نقاوةِ فطرتي، بل وسعيتُ كلَّ حياتي حتَّى أموتَ ساجدًا، ولكنَّ الإنسانَ أضعفُ من أن يتحملَ فقدانَ من أحبَّ، لا أقول أن انتحاري هو الحلُ الأمثلُ لي، ولكنَّه سيجمعني بها، قد فاضَ الشَّوقُ بي، فروحي لا تنتمي لهذهِ الأرض، عندهُ أجدُ سعادتي، عندهُ سألتقي بابنتي لأكامعها تلكَ الَّتي قتلتها بيدي!
لا تحاولوا إنقاذي، فأنا لا أستحق هذا، أنا لم أنقذ ابنتي من الموتِ، فلمَ العيشُ إذًا؟ رجلٌ مثلي ينافسُ بجبروتِه أوطادَ جبالٍ صلدة لم يتمكن من محاربةِ سرطانٍ أدمش! بئسَ العيشِ لجبانٍ مثلي…
كرستُ كلَّ حياتي بينَ الكتبِ اللعينة حتَّى أكون طبيبًا، قلتُ لنفسي: لابد أن تعالجَ الجميع، المجتمعُ يحتاجكَ، حياةُ النَّاس بينَ يديكِ، تبًا للمجتمع، وللنَّاسِ، ولي، أنقذتهم فردًا فردًا وعندَ ابنتي عجزت!
عندَ ابنتي نسيتُ مادرست، نسيتُ القسمَ، تغافلتُ كلَّ شيء، وحقيقةٌ واحدة فقط سيطرت عليَّ أنَّ هذهِ الطَّفلةِ الصغيرة الَّتي تتألم ابنتي الوحيدة، والشَّعرُ الَّذي يتساقطُ منها هو ذاتهُ الَّذي كنتُ لا أنام إلَّا بعد شمه، وصوتُ نواحها هذا كانَ يومًا سمفونيتي المُفضلة.
أذكرُ أنِّي نلتُ جوائزًا عالمية لكونِّي الطبيبِ المثالي، ومعالجتي لأمراضٍ عضال تتحدى العقلَ البشري، لا أدري ما الَّذي أصابني عندما رأيتُ القدرَ يختبرني، فيجعل من مرضِ ابنتي لغزًا يصعبُ فكه، كانت تقول لي: أبي أثقُ بكَ، عقلكَ الألمعي سيجدُ الحلَ يا بطلي، ولكن عقلي لم يعمل آنذاكَ يا وردتي لم أكن أواجه إلَّا قلبي المتمرد، إنَّ مرضكَ هدَّ كينونةَ رجلٍ لم يبك إلَّا في ولادته، وصلتُ إلى مرحلةٍ أنِّي أترجى أطباءً آخرين أن يفلحوا بما لم أستطع فعله، ولكن حالتها كانتْ صعبةً جدًا، أمست جثةً هامدة وهي حيَّةٌ تُرزق، طفلتي كانت عنيدةً حتَّى بمرضها، ولكنَّها كانتْ أشجع منِّي، تواجهُ المرضَ بابتسامةٍ هي دواءٌ لكلِّ الأدواءِ الَّتي لا علاج لها.
في منتصفِ يناير كانتْ وفاتي، عندما استيقظتُ على صوتِ توقفِ قلبها، وقلبي!، فكنا جسدين بروحٍ واحدة، صرخت، وبكيت: لا ترحلي، لا لا عزيزتي ابقي معي، انظري إليَّ يا خرزتي، بطلكِ هنا، أبوكِ هنا، يارب لا تأخذها خذني أنا، هيا نرحل سويًا، لم يستجب دعائي، وهي استعملتْ كيدَ النَّساءِ عندما غفلتني، ورحلتْ قبلَ أبيها العجوز. أتدرك معنى أن ترى نفسكَ تحتضرَ من غيرِ أن تنالَ الحقَّ للمحاربةِ لآخر نفس؟
بعدَ رحيلها تركتُ مزاولةَ مهنة الطِّبِ، فأخلفتُ قسمي عندما جعلتُ ذاكَ الخبيثِ يخطفها من بينَ يديَّ، من بعدها الحزنُ أباءَ بالمكانِ، وأبى أن يرحل، أقسمُ باللهِ أنِّي حاولتُ كثيرًا ألَّا أسمحَ لهواجس الشَّيطانِ أن تجتاحني، ولكن ملاكي الَّذي كانَ يرشدني قد رحل!
ملاكي:
اخترتُ الطَّريقَ السَّهلِ، والأسرع حتَّى أجتمعُ بكِ، فبعد رحيلكِ لم يتبقى لي دافعٌ للمحاربةِ، غيابكِ كسرني، ارتحتِ، وبقيَّ العذابُ لي، ولكن الآن سنجتمع كما وعدتكِ في آخر سكارتكِ، وهذا الوعدُ الوحيدُ الَّذي سعيدٌ أنَّني وفيتُ به.
خلود عبد الصمد أحمد/ اليمن

تعليقات
إرسال تعليق
نرحب بتعليقاتكم لاثراء محتوى الموقع